وزارة الداخلية السورية تعلن إلقاء القبض على مدير مكتب الشؤون العسكرية السابق بشار الأسد، وذلك في إطار حملة واسعة لملاحقة المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال سنوات الصراع.
شهدت الساحة السورية تطوراً أمنياً وسياسياً بارزاً في مساء يوم السبت، حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية عن نجاح عملية أمنية دقيقة ومعقدة أسفرت عن إلقاء القبض على اللواء وجيه علي العبد الله، الذي كان يشغل واحداً من أكثر المناصب حساسية وتأثيراً في هيكلية السلطة السابقة، وهو منصب مدير مكتب الشؤون العسكرية للرئيس السابق بشار الأسد.
هذه العملية التي وصفتها الوزارة بالخاطفة، لم تكن مجرد إجراء أمني روتيني، بل جاءت نتيجة تنسيق استخباراتي رفيع المستوى بين وحدات الأمن الداخلي وإدارة مكافحة الإرهاب، مما يعكس إصرار السلطات الجديدة على تتبع كافة خيوط الشبكات الأمنية التي أدارت شؤون القمع لسنوات طويلة. إن اعتقال شخصية بمستوى العبد الله، الذي كان يعتبر أحد أركان الدائرة الضيقة جداً والمقربة من رأس الهرم في النظام السابق، يرسل رسالة واضحة بأن زمن الحصانة قد انتهى، وأن جميع المتورطين في إدارة الملفات العسكرية والأمنية سيواجهون مصيرهم أمام القضاء السوري.
وبالتعمق في السيرة المهنية للواء المعتقل، يتضح حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه؛ فقد تولى العبد الله إدارة مكتب الشؤون العسكرية في الفترة الممتدة ما بين عامي 2005 و2018. هذه الحقبة الزمنية لم تكن مجرد سنوات حكم عادية، بل كانت المرحلة التي شهدت تحول الدولة إلى آلة عسكرية لمواجهة الحراك الشعبي، وهي الفترة التي وصفتها السلطات الحالية بأنها الأكثر دموية في تاريخ سوريا الحديث.
ويُوجه للعبد الله اتهامات ثقيلة تتعلق بالإشراف المباشر على تنسيق الممارسات القمعية، وتسهيل تنفيذ انتهاكات جسيمة طالت آلاف المدنيين السوريين العزل. لقد كان مكتب الشؤون العسكرية بمثابة غرفة العمليات التي تُنسق من خلالها التحركات العسكرية والأمنية داخل القصر الجمهوري، مما يجعل العبد الله شريكاً أساسياً في رسم السياسات التي أدت إلى دمار مدن بأكملها وتشريد الملايين، فضلاً عن ارتباطه بملفات أمنية شديدة السرية والحساسية تتعلق بآليات تصفية المعارضين وإدارة السجون السرية في مختلف المحافظات.
ولا يمكن فصل اعتقال اللواء العبد الله عن السياق العام لحملة الملاحقات الواسعة التي تشنها الحكومة السورية الجديدة ضد رموز النظام السابق. فهذا الاعتقال يأتي كحلقة في سلسلة من الإجراءات القانونية والأمنية التي تستهدف كل من ساهم في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الفترة ما بين 2011 و2024.
وبالنظر إلى الأحداث الأخيرة، نجد أن السلطات كانت قد أعلنت قبل يوم واحد فقط عن توقيف العميد الركن خضر أحمد ديوب، وهو الشخصية المتهمة بالتورط المباشر في واحدة من أبشع الجرائم الكيميائية التي شهدها العالم، وهي الهجوم على الغوطة الشرقية بريف دمشق، والتي أودت بحياة المئات من المدنيين في لحظات معدودة. كما سبق ذلك اعتقال أمجد يوسف، الذي يُنظر إليه كمتهم رئيسي في مجزرة حي التضامن المروعة في دمشق عام 2013، وهي المجزرة التي كشفت عن وحشية غير مسبوقة في التعامل مع السجناء والمعتقلين.
إن تتابع هذه الاعتقالات يشير إلى وجود استراتيجية منهجية لجمع الأدلة وملاحقة الجناة مهما علت رتبهم العسكرية أو مناصبهم السياسية السابقة. وتسعى الإدارة السورية الحالية من خلال هذه الخطوات إلى إرساء قواعد جديدة للدولة تقوم على مبدأ المحاسبة والعدالة الانتقالية، مؤكدة أن فرض السيطرة الأمنية لا يكتمل إلا بتقديم المتورطين إلى القضاء. إن هذه الجهود تهدف في جوهرها إلى ترميم النسيج الاجتماعي الممزق ومحاولة منح الضحايا وعائلاتهم حقهم في معرفة الحقيقة ونيل القصاص العادل.
وتتعهد السلطات بمواصلة ملاحقة كافة العناصر الفارة من النظام السابق، سواء كانوا داخل البلاد أو خارجها، لضمان عدم إفلات أي مجرم من العقاب. إن الطريق نحو الاستقرار يتطلب مواجهة صريحة مع الماضي، والاعتراف بالانتهاكات التي حدثت، وتحويل هذه المحاكمات إلى دروس تاريخية تمنع تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل السوري. وفي الختام، فإن اعتقال اللواء وجيه العبد الله يمثل نقطة تحول في الصراع ضد الإفلات من العقاب في سوريا.
فبينما كانت الدوائر الأمنية في السابق تعمل في ظل سرية تامة وتحت حماية مطلقة، أصبحت اليوم تحت مجهر المساءلة القانونية. إن هذا التحول يعكس رغبة شعبية عارمة في رؤية القادة الذين أعطوا أوامر القتل والتعذيب وهم يقفون خلف القضبان.
ومع استمرار هذه الحملات، يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات الجديدة هو ضمان إجراء محاكمات عادلة وشفافة تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، لكي لا تكون هذه الإجراءات مجرد تصفية حسابات سياسية، بل مساراً حقيقياً نحو العدالة الشاملة التي تنشدها ملايين الأسر السورية التي فقدت أبناءها وأحباءها في أتون الحرب الطويلة
سوريا وجيه العبد الله وزارة الداخلية جرائم حرب العدالة الانتقالية




